الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

103

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

3 3 - الإسراف في المعصية مما يلفت النظر أنه قد ذكرت في الآيات - محل البحث - هذه العقوبات المؤلمة للأفراد الذين يسرفون ولا يؤمنون بآيات الله . إن التعبير ب‍ " الإسراف " هنا قد يكون إشارة إلى أنهم قد استعملوا تلك النعم والعطايا الإلهية ، كالعين والاذن والعقل ، في طرق الشر ، وليس الإسراف إلا أن يتلف الإنسان هذه النعم من غير هدف . أو أن يكون إشارة إلى أن المذنبين قسمان : قسم لهم ذنوب محدودة ، وفي قلوبهم خوف الله ، أي أنهم لم يقطعوا ارتباطهم وصلتهم بالله تماما ، فإذا ما ظلموا - على سبيل الفرض - يتيما أو ضريرا فإنهم لا يستبيحون ذلك العمل ، بل يعدون أنفسهم مقصرين أمام الله . ولا شك أن مثل هذا الفرد عاص يستحق العقاب ، إلا أن بينه وبين من يقترف الذنوب بلا حساب - ولا يعتبر ذلك ذنبا ، ولا يعترف بمعيار للذنب وعدمه ، بل ويفتخر أحيانا بارتكابه المعاصي ، أو يحتقر الذنب ويستصغره - فرقا شاسعا ، لأن القسم الأول يمكن أن يتوبوا في النهاية ويجبروا ما صدر عنهم من ذنوب ، أما أولئك الذين يسرفون في الذنوب فلا توبة لهم . 3 4 - ما هو الهبوط ؟ " الهبوط " في اللغة بمعنى النزول الإجباري ، كسقوط الصخرة من مرتفع ما ، وعندما تستعمل في حق الإنسان فإنها تعني الإبعاد والإنزال عقابا له . وبملاحظة أن أدم قد خلق للحياة على وجه الأرض ، وكانت الجنة أيضا بقعة خضراء وفيرة النعمة من هذا العالم ، فإن هبوط ونزول آدم هنا يعني النزول المقامي لا المكاني ، أي إن الله سبحانه قد نزل مقامه لتركه الأولى ، وحرمه من كل نعم الجنة تلك ، وابتلاه بمصائب هذه الدنيا ومتاعبها .